الجمعة 10 نيسان 2020

العيوب في صياغة الحكم القضائي : دراسة تحليلية في الاحكام القضائية اللبنانية




العيوب في صياغة الحكم القضائي
دراسة تحليلية في الاحكام القضائية اللبنانية
الاستاذ الدكتور سامي منصور
رئيس محكمة التمييز شرفاً
 
لم يعرَف قانون اصول المحاكمات المدنية الحكم القضائي وانما اكتفى في الباب الخامس الذي خصصه للاحكام بالتعرض لمسائل تتناول اصدارها، آثارها، تصحيحها وتفسيرها (المواد 528 الى 563 ضمناً)، فترك الامر الى الفقه الذي يعتبر الى جانب القضاء المصدران الاساسيان غير الرسميين للقاعدة القانونية، والمصدران الاساسيان الرسميان اقله بالنسبة للقضاء في تطبيق القاعدة القانونية وتفسيرها. فهو الذي يصدر عن محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً صحيحاً وان يكون لها ولاية القضاء في الدعوى او الطلب وان يصدر هذا الحكم عن ارادة صحيحة للقاضي وبناء على طلب[1].
       وما يهمنا في هذا المجال، ووفق العنوان المعتمد في هذه الداخلة، هو موضوع الصياغة القضائية للاحكام وتحديداً: العيوب التي قد تقع في هذه الصياغة، اذ انه ليس من عمل بشري كامل، "فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (حديث نبوي شريف)[2] والكمال لا يكون الا لله وحده عز وجل.
       ان لغة القضاء لها خصائص معينة: اهمها الدقة والبساطة والوضوح. وهي صفات مشتركة بينها وبين لغة القانون. فكلاهما " لغة اصطلاحية". " وهذه الصفة ترجع الى كونها لغة خاصة، فهي تعبر عن حقائق قانونية او حقائق طبيعية واجتماعية، كما انها تعبر ايضاً عن الافعال المحظورة والجزاءات المترتبة على ارتكابها، وتتسع كذلك لتعبر عن ادق العمليات الذهنية التي تؤدي الى نتيجة معينة"[3] . ومع ذلك تنفرد اللغة القضائية بانها لا تقوم على قواعد عامة مطلقة لصياغة الاحكام. اذ ان هذه الصياغة تعتمد على الحس السليم والثقافة القانونية واللغوية لكل قاضٍ."فاللغة القضائية ترتهن بشخص القاضي وتتأثر بجوانب شخصيته وتكوينه العلمي القضائي والثقافي"[4] . فاذا كانت صياغة القاعدة القانونية تفترض تقنية محددة، بان تكون دقيقة، مجردة، حيادية وعامة، وهي الصفات العامة لكل قاعدة قانونية، وهي فتتناول المراكز القانونية وليس اوضاعاً قانونية معينة بالذات وبشكل افرادي، فتصاغ بشكل يتوجه الى وضع عام وليس الى حالات فردية خاصة ،" فينظم هذا الوضع في ذهن المشترع بحيث يحيط بجوانبه كما يتصورها بصورة موضوعية، كما يحيط بآثاره المحتملة تبعاً للمجرى العادي للامور والمنسجمة مع طبيعة هذا الوضع ومع مبادئ التعامل الدارج ومتطلبات العدالة والمساواة بين الناس[5]. ان الصياغة القضائية لا يمكن ان تكون عامة ومجردة، فدور القضاء هو الفصل في النزاع وفق القواعد القانونية التي تطبق عليه(المادة 369 أ.م.م.).وللحكم النهائي منذ صدوره حجية القضية المحكوم بها بالنسبة لكل منازعة فصل فيها وفقاً لاحكام المادة 303 أ.م.م. فللاحكام القضائية مفعول نسبي، عكس القاعدة القانونية، فلا يمتد مفعول الحكم الى غير الاطراف الذي صدر بينهم هذا الحكم.(المادة 556 و303 أ.م.م.) .
       من هنا، فانه اذا كانت لغة التشريع تتسم بالعمومية والتجريد ، فان لغة القضاء تتسم بالخصوصية والنسبية، فدور القضاء هو نقل النص التشريعي او اي قاعدة قانونية تتصف بالعمومية، من العمومية الى التخصيص، ومن التجريد الى التطبيق، وذلك بحكم لا يجوز ان تتصف صياغته بشكل انظمة (المادة 3 أ.م.م.) على هذا الاساس هناك قواعد خاصة يقتضي احترامها عند صياغة الحكم القضائي، تلخص بما يلي:
أ‌-       استخدام الكلمات التي تدل على الفكرة المقصودة.
ب‌-  الوضوح واختيار العبارات المناسبة.
ج- توخي الدقة في المفردات المستعملة.
د- تجنب الالفاظ والمصطلحات المهجورة او المبتكرة والفضفاضة وكذلك العبارات المعقدة او الجاهلية بحجة الفصاحة وابراز المعرفة باللغة. فالمسألة في صياغة الاحكام ليست مسألة آداب لغوية وانما هي مسألة صياغة قانونية وايصال الفكرة بلغة علمية باستخدام المصطلحات المطلوبة باللغة التي يكتب فيها الحكم، واذا لم يجد القاضي رديفاً في اللغة فيجوز في هذه الحالة الابقاء على اصلها الاجنبي مع تعريبها بتغيير صيغتها بما يناسب اللغة التي وضع فيها القاضي حكمه.
هـ- عدم استخدام عبارات تسمح بالاستنتاج والتأويل.
و- الاختصار دون مسخ، فلا اسهاب في التعليل ولا انقباض في الفكرة، وانما نقلها الى المقصودين بالحكم بما يتطلبه ذلك من عبارات دون زيادة او نقصان. تبقى مسألة مدى جواز الاشارة الى المؤلفات الفقهية واستشهاد باحكام المحاكم عند صياغتها للحكم القضائي، هل هي مسألة مستساغة ام انها غير جائزة؟
         ممن كتب في الموضوع  استهجن ذلك، ورأى بانه "يجب ان يحرص الحكم على ان ألا يتضمن الاشارة الى حجج اواسانيد قانونية ينقلها من مرجع قانوني، حتى ولو كانت باللغة العربية، فان ما يكتبه الفقيه في مرجعه – مهما علا قدره وارتفعت منزلته- يرد عليه الجدل والنقاش والخلاف، بل قد يعدل الفقيه عما انتهى اليه من رأى سابقاً، وهي امور ينبغي ان ينأى عنها حكم القضاء... لذلك فانه لا يجوز ان يشير القاضي في حكمه الى هذه المراجع الفقهية حتى ولو اتفق معها في الرأي ، او رجحها على رأي آخر "[6] . وانه اذا كان من الجائز الاشارة في اسباب الحكم الى احكام قضائية، فان ذلك لا يكون الا في احكام المحكمة العليا وفي مسائل استقرت عليها هذه المحكمة من تفسير نص على نحو معين وشرط ان يكون هنالك ضرورة لايراد هذه الاحكام. وفي واقع الامر، فانه لا يقتضي وضع حل مطلق وقاطع في الموضوع، فالمسألة تفترض التمييز بين انواع المحاكم. فاذا كان من غير الجائز بالنسبة لبعضها الاستشهاد بالفقه والقضاء فان الامر يكون عكسه بالنسبة الى محاكم اخرى. وعلى هذا الاساس، تنقسم المحاكم الى:
أ‌-       محاكم عادية ومحاكم استثنائية. فالمحكمة العادية هي محكمة القانون العادي ولا تكون عادة ملزمة بالتفسير الضيق والحذر كقاعدة وكمبدأ ، الا في الحالات التي تفرض مثل هذا التفسير ، لان هذه المحكمة تتعاطى اساساً مع القواعد العامة التي تحكم العقد مثلاً، او المسؤولية او الموجب... اما المحكمة الاستثنائية، فهي محكمة تختص بتطبيق قانون محدد في الزمان والنطاق. فلا يجوز لها التوسع في قواعد التفسير والا لتجاوز الحكم ما اراد المشترع له بان يكون محدداً في اطار زمني او موضوعي معين، كمحكمة الايجارات التي تضع عادة قواعد في تفسير نصوص هذا القانون، تعملها على الوقائع المتشابهة التي تحكمها هذه النصوص. ولكن مع ذلك قد نجد محاكم عادية تفرض عليها طبيعة مهمتها التفسير الضيق للنصوص، وعدم الرجوع الا الى النص في عملية الفصل في القضية، كالمحاكم الجزائية التي تلتزم تطبيق قانون العقوبات، دون زيادة ولا نقصان. وفي حدود ما نص عليه القانون من جرائم وعقوبات. من هنا يقتضي تفهم طبيعة المحكمة او طبيعة القانون الذي تطبقه في عملية صياغة الحكم القضائي.
 
ب‌-  محاكم شاملة ومحاكم متخصصة كمجالس العمل التحكيمي في لبنان مثلاً. وقد درجت التنظيمات القضائية في الدول على توزيع الاعمال بين الغرف واقسام المحاكم الشاملة، فتناط ببعضها القضايا المدنية، وببعضها الآخر القضايا التجارية او القضايا المالية. وفي الفئة الواحدة من المسائل قد توزع القضايا، بالاستناد الى تراكم الدعاوى وكثافتها، بين الغرف التي تنظر في هذه الفئة، فتخصص بعض الغرف للنظر فقط في مسائل الافلاس، وغرف في دعاوى شركات الاموال واخرى في دعاوى شركات الاشخاص. او كما خصصت محاكم للنظر في جرائم الجنح المرتكبة على الاشخاص، ومحاكم للنظر في جرائم الشك دون رصيد، ومحاكم للنظر في جرائم الاحتيال والسرقة وهكذا...
       ان هذا التوزيع له اهمية خاصة بالنسبة الى تخصص القضاء. فاذا كانت القاعدة التي قد تعتمد هي في عدم التزام القاضي او حقه بالعمل في حقل قانوني معين، وانما واجبه ان يقبل العمل في اية محكمة تنتمي الى الجهة القضائية التي هو من قضاتها، الا ان التجربة تثبت انه غالباً ما يستمر القاضي بالعمل في المجال القانوني الذي بدأه مختاراً، ولا يتغير في هذا المجال الا اذا وافق هو على تغييره، وهو ما يحقق عملياً فكرة التخصص القضائي ، وان كانت هذه الفكرة مرفوضة من الوجهة القانونية. فكيف اذا اضفنا الى ذلك هذا التوزيع المتعدد في توزيع الدعاوى بين الاقسام والغرف، وعلى شتى الدرجات القضائية والمحاكم، حتى ولو كانت منتمية الى جهة واحدة ويفترض بها ان تنظر في الفئة الواحدة من الدعاوى كما تبين. ان هذا التخصص العملي يؤدي الى نتيجتين ايجابيتين: الاولى، ان الاحكام التي يصدرها قضاة اصبحوا متآلفين مع المادة، يدركون ابعادها القانونية والواقعية، هي احكام تكون عادة معمقة ومدروسة. الثانية، ان توثيق هذه القرارات يفترض من الموثق ان يدرك هو ايضاً وبالضرورة الابعاد النظرية والعملية التي تناولها القرار موضوع التوثيق وهو ما يساهم في تطوير البحث القانوني.
      فكم من نظرية كرسها المشترع كانت اصلاً من وضع القضاء وبمساهمة من الفقه الذي تناول احكام المحاكم التي صدرت بشأنها بالتحليل والتقييم، مستنتجاً عن طريق استقراء تلك الاحكام مفهوماً قانونياً او نظرية قانونية اصبحت راسخة في التعامل.
ج- محاكم اساس ومحكمة قانون. محكمة الاساس هي محاكم الدرجة الاولى، والثانية (المحاكم الاستئنافية). ومحكمة القانون هي محكمة التمييز (او النقض). والفرق هام بين النوعين: فمحكمة الاساس يناط بها النظر في الوقائع الثابتة في الملف والعمل على تكييفها واعطائها  الطبيعة او الوصف القانوني الذي تنطوي عليها اذ انه "يفصل القاضي في النزاع وفق القواعد القانونية التي تطبق عليه" (المادة 369 أ.م.م.). فيسند حكمه الى الوقائع التي تدخل في نطاق المحاكمة والواردة فيها، ولو لم يتذرع بها الخصوم خصيصاً لاسناد طلباتهم او مدافعتهم (المادة 368 أ.م.م.). "وعلى القاضي ان يعطي الوصف القانوني الصحيح للوقائع والاعمال المتنازع فيها دون التقييد بالوصف المعطى لها من الخصوم، وله ان يثير من تلقاء نفسه الاسباب القانونية الصرفة اياً كان الاساس القانوني الذي تذرع به الخصوم "(المادة 370 فـ 1 و2 أ.م.م.) . اما محكمة التمييز فدورها يكمن في مراقبة مدى التزام المحكمة الاستئنافية بتطبيق القانون ( المادة 703 أ.م.م.) . فلا يقبل الطعن بطريق النقض الا للاسباب المنصوص عنها حصراً في المادة 708 أ.م.م. والاحكام التي تصدر عن محكمة التمييز هي على انواع. فهنالك:
1-    قرارات الرد. والجامع بيها انها لا تحتوي على "تأشيرة دخول" الى وقائع الدعوى. المحكمة العليا هنا لا تنظر في اساس النزاع بل تنظر في الحكم الاستئنافي المطعون فيه من زاوية انطباقه على القانون. فدوره في هذه المرحلة يقتصر على مراقبة قانونية القرار المطعون فيه وهي مراقبة لا تصل الى حد التعرض لاساس النزاع، اذ تقتصر مهمة المحكمة على جعل محاكم الاساس تلتزم ارادة المشترع حفظاً لوحدة الاجتهاد. فالخصم امام هذه المحكمة هو الحكم المطلوب نقضه من قبل طالب النقض وليس المحكمة المطعون في قرارها، فتنظر المحكمة العليا في صحة الاسباب المدلى بها، ومدى تحقق هذه الاسباب ، فترد الطلب في الشكل عندما تتحقق من احترام محكمة الاستئناف للقانون وعدم الخطأ في تطبيقه. وتصاغ هذه الاحكام عادة بحيثيات مقتضبة يقتضي ان لا تتجاوز اساساً وفي الغالب ثلاثة حيثيات. الحيثية الاولى تعرض فيها المحكمة العليا الى ما توصلت محكمة الاستئناف من نتائج والمستندات القانونية التي اعتمدتها تلك المحكمة. الحيثية الثانية تعرض فيها المحكمة الى الاسباب التي بني عليها طلب النقض، اي الانتقادات التي يوجهها طالب النقض الى الحكم الاستئنافي . وفي الحيثية الثالثة تتولى المحكمة العليا رد اسباب النقض وعرض الحجج التي تنفي حجج طالب النقض. وهذه الحيثية هي الاهم في قرارات الرد لان العبارات التي تستعملها المحكمة العليا لكي تصدق على الحل الذي اعتمدته المحكمة الاستئنافية – بالتالي رد الطعن شكلاً- من شأنها ان توضح الابعاد التي توخى قضاة المحكمة العليا اعطاءها لقرارهم.
      وفي هذا الاطار يمكن ابداء ملاحظات اساسية تتناول اتجاهاً لا يزال يتردد في بعض قرارات تصدرها المحكمة العليا، وهو هذا التوسع في التحليل والشرح على ما سنرى، مع ان هذا التوسع اذا كان مقبولاً في عمل محاكم الاساس، التي هي محاكم واقع قبل كل شيء، فانه يضحى غير مقبول اطلاقاً في عمل محكمة التمييز، فهي محكمة قانون، اي تقول القانون بحيثيات مختصرة ، موجزة، ودقيقة وقاطعة.
2-    هنالك نوع آخر من قرارات الرد وهي التي يكون فيها الرد مؤسساً على استبدال سبب خاطئ في الحكم بسبب قانوني صرف او ايضاً بصرف النظر عن سبب قانوني خاطئ فيما تراه المحكمة زائداً. وذلك في مقابل حق المحكمة العليا بنقض القرار المطعون فيه لسبب قانوني صرف يتعلق بالنظام العام من تلقاء نفسها.
 ان الحيثية التي ترتكز على السبب القانوني الصرف والتي تكون بديلة عن الحيثيات في الحكم المطعون فيه، لها قيمة المبدأ ، هي عادة ما تعلن عن نفسها كذلك. اما قرارات الرد والتي سبقت الاشارة اليها والتي تكتفي برد اسباب الطعن لان المحكمة الاستئنافية قد احسنت في تطبيق القانون او انها عللت حكمهت واعطته الاساس القانوني السليم بحيث جاءت اسبابه الواقعية كافية وواضحة لاسناد الحل القانوني المقرر فيه، فهذه الاحكام هي اقل اهمية. فهنا قلما نستخرج من هذه الاحكام، التي تأتي في صياغة ممثالة، قواعد عامة في الموضوع[7]. وكذلك القرارات التي ترد بها المحكمة العليا الطعن لان السبب المدلى به امامها هو سبب جديد لا يمكن تقديمه للمرة الاولى امام محكمة التمييز لانه خليط من الواقع والقانون[8].
3-    احكام النقض : وهي الاهم، ففيها تتولى المحكمة العليا نقض الحكم الاستئنافي بعد بيان الخرق الذي ارتكبته المحكمة الاستئنافية للقانون: النص او المبدأ او القاعدة القانونية – بمفهومها الواسع- التي اخطأت في تطبيقها او في تفسيرها، هو ما يشكل بالتالي، مدخلاً للمحكمة العليا الى نشر الدعوى امامها مجدداً والفصل فيها كمحكمة استئنافية وبقرار مبرم لهذه الجهة، فالطعن يرتكز على نقطة قانونية او اكثر والمناقشة تتناول هذه النقطة بالتحديد. فاذا وجدت المحكمة العليا ان المحكمة الاستئنافية قد خالفت مضمون النص القانوني، وقد يكون من مصدر تشريعي (مادة في القانون المدني التجاري، او نص في قانون خاص او في مرسوم اشتراعي   او عادي...) او من مصدر تعاهدي او مبدأ قانونياً عاماً... او اساءت تفسير ما تقدم، او ان المحكمة الاستئنافية، لم تتقيد باصول مفروضة تحت طائلة البطلان، قضت تلك المحكمة بنقض الحكم الاستئنافي، ووضعت يدها على اساس القضية ونظرت فيها كأي محكمة استئنافية وفق ما نصت عليه احكام المادة 734 أ.م.م. والحيثيات التي تعتمدها المحكمة في حكم النقض توضع عادة في قسمين: الاول، تعرض فيه المحكمة العليا في ثلاثة او اربعة حيثيات تحليلها للنص الذي طبقته. وفي قسم ثان تظهر المحكمة العليا من جهة اولى ومن خلال حيثية مبدئية وموجهة تسمى عملياً motif chapeau مخالفة وخرق محكمة الاستئناف للنص او للمبدأ القانوني العام او للاصول الجوهرية المذكورة وكيفية ذلك الخرق، وتعلن من جهة ثانية النص او القاعدة التي يقتضي تطبيقها على النزاع وكيفية تفسير هذا النص. فمحكمة التمييز في احكام النقض لمخالفة القانون او الاساءة في تفسيره انما تفسر ذلك النص وتكرس من خلال ذلك التطبيق او التفسير مبدأ قانونياً مقيداً للمحكمة العليا التي قررته. وهنا تكمن اهمية هذا القرار، اذ به تحدد المحكمة النص القانوني او المبدأ او المبادئ القانونية التي يجب ان تعتمد في الدعوى كما تضع تفسيره. وكثيراً ما تلتزم المحاكم الدنيا بما تقرره المحكمة العليا من مبادئ وبما تعلنه من قواعد، على الاقل من الناحية المعنوية، وبملء اختيارها. فهذه المحاكم تعلم مسبقاً ان احكامها المخالفة لما قررته المحكمة العليا من مبادئ ستلقى مصير النقض اذا طعن باحكامها امام هذه المحكمة.
       ان المحكمة العليا، في هذا النوع من الاحكام "ومن خلال لمسات صغيرة متتابعة تتجمع فيما بينها" تظهر للباحث بان هنالك مبدأ قانونياً هي في صدد تكوينه ودون ان يكون له سوى رابطة وصلة بعيدة مع النص القانوني الذي كان منطلقاً لذلك المبدأ. ان ذلك يؤدي الى نتيجة اساسية هي التالية: "ان تأشيرة الدخول" التي ارتكزت الى النص القانوني المشار اليه لم تكن مسألة شكلية. فالاساس الحقيقي للنقض يجد مصدره في هذه الحيثية المظللة، الموجهة، le motif chapeau في المبدأ الذي يحتمي او يختفي خلف النص المشار اليه. وعندما لا يكون للقاعدة التي يضعها حكم النقض اية صلة مع النص القانوني الاساسي يمكن ان نتساءل عندها"ما اذا لم يكن الافضل بصراحة ان ننظر الى ذلك المبدأ الذي اعتمدته المحكمة من ناحية شكلية صرفة"؟ ولكن في مطلق الاحوال، نعود ونؤكد بان هذه القواعد التي تعبر عنها المحكمة العليا بهذه الحيثيات المظللة والموجهة عند اصدارها احكام النقض ، انما تعلن بشكل واضح خلق قواعد اجتهادية من مصدر قضائي، منفصلة بشكل او بآخر عن النص القانوني الذي اعتمدته كمنطلق وكسند شكلي مجرد، فهنا نتحدث فعلاً عن احكام مبدئية[9].
         ومن اساليب محكمة التمييز عند نقضها للحكم المطعون فيه ان تلجأ الى عملية النقض لافتقار الحكم الاستئنافي الى الاساس القانوني الكافي وذلك عندما لا تعطي هذه المحكمة الاخيرة، رغم تعليلها لحكمها، التعليل الكافي حتى تتمكن المحكمة العليا من ممارسة رقابتها والاستنتاج ما اذا كان الحكم المطعون فيه يتفق مع القانون . ففي هذا الاطار تعطي محكمة الاستئناف لقرارها تعليلاً، الا ان محكمة التمييز لم تجد في هذا التعليل الاسباب الكافية التي تمكنها من بسط رقابتها على مدى التزام محكمة الاستئناف بتطبيق القانون، وما اذا كان حكمها لم يخالف القاعدة الواجبة التطبيق[10]  . الا فانه لولا وجود ذلك التعليل، وان جاء ناقصاً، لاعتمدت محكمة التمييز سبباً آخر لنقض ذلك الحكم هو عدم وجود الاساس القانوني ابتداء.
4-     الهيئة العامة لمحكمة التمييز العليا، هي الهيئة المؤلفة من رؤساء الغرف لدى المحكمة العليا بموجب المادة 30 من القانون رقم 150/83 (قانون تنظيم القضاء العدلي)، عندما يطلب منها في قضية يثير حلها تقرير مبدأ قانوني هام او يكون شأنه ان يفسح المجال للتناقض مع احكام سابقة، وذلك باحالة الملف اليها بحكم من رئيس الغرفة المعروضة عليها الدعوى. وهذه الهيئة التي تصدر عنها احكام هي بالنتيجة احكام لها اهمية اضافية، لانها تعلن عادة حلاً جديداً او تحولاً في الاجتهاد. وهو ما يفرض صياغة للحكم الذي تصدره بنفس المستوى.
بعد كل هذه المقدمة، السؤال الذي تقتضي الاجابة عليه هو التالي: ما هي نسبة العيوب في صياغة الاحكام في العمل القضائي وعلى مختلف انواع المحاكم ودرجاتها انطلاقاً من القاعدة التي سبق ان عرضناها ، ان البشر خطاؤون وخير الخطائين التوابون؟.
 
 
      العيب في الصياغة يكون في كتابة الحكم ومنهجيته، وفي وضع الحكم وفن كتابته. فالحكم اضافة الى مقوماته الموضوعية، بياناته، هنالك اسلوب خاص لصياغته، وقواعد تحكم هذه الصياغة.
       اما الغلط في القانون فهو موضوع آخر ،انه عيب اما في كتابة الحكم واما في مضمونه، دون ان يشمل في الحكم القضائي حالات الخطأ في تفسير القانون او تطبيقه، فذلك من شأنه ان يعرض الحكم للبطلان. كما ان الخطأ في نص القانون او في صياغة النص  انما يطلب تصحيحه من قبل المرجع الذي وضعه، وهو  ما يخرج عن صلاحية القضاء الذي ينحصر دوره الدستوري في تطبيق القانون وتفسيره. وقد يؤثر العيب في الكتابة على مضمون النص، فكلاهما: الخطأ في الصياغة والغلط في القانون، عيب، الاول لا يؤثر على مضمون الحكم القضائي لانه يرد على الاسلوب والكتابة، بينما الثاني، هنالك جهة منه تؤثر في النص عندما يغير الغلط في مضمون النص وفي احكامه.
       الاول، لا يحتاج الى تصحيح الا اذا كان التصحيح هو من النوع الذي نصت عليه احكام المادة 560 وما يليها من قانون اصول محاكمات مدنية (وتميزه عن التفسير والنقص) ، بينما العيب في الحكم لجهة المضمون فانه توجد طرق مراجعة بشأنه لازالة ذلك الخطأ، والا انبرم الحكم، ولا يمكن تصحيحه في القضية الا عن طريق المادة 741 أ.م.م. (مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن عمال القضاة العدليين)، بينما الخطأ في القانون عندما يصدر عن واضع النص لا يؤدي الى انبرام النص، فيبقى خاضعاً للتصحيح اما عن طريق واضعه، واما عن طريق مرسوم نشره في اي وقت من الاوقات[11].
ان دراسة تحليلية للاحكام القضائية الصادرة عن المحاكم اللبنانية تثبت ما يلي:
اولاً: ان بعض الاحكام القضائية، حتى الصادرة منها عن المحاكم العليا، تعرض للحل ولعكسه. فترد الدعوى في الشكل، كمبدأ، وتبحث بعد ذلك في الاساس، بحيث يتردد الباحث في معرفة ما اذا كانت المحكمة ردت الدعوى في الشكل او في الاساس، او للسببين معاً وهو ما ينطوي على ما يسمى في الفقه التحكيمي بالاستوبل ESTOPEL ، او موجب عدم التناقض الذي نصت عليه احكام المادة 100 من مجلة الاحكام العدلية " من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه" (فقرة اولى).
ثانياً: ان احكاماً اخرى، لا تقل عدداً او اهمية عن الاولى، تعطي المبدأ وتسهب في عرضه تحت اي حجة من الحجج، متجاوزة في ذلك على قاعدة الاختصار والوضوح "فكل شيء زاد عن حده انقلب ضده"، وان من يشهد بالحق، يحلف اليمين القانونية بان يدلي بشهادته دون زيادة او نقصان (المادة 285 أ.م.م.) فالصياغة الامثل  هي "ما قل ودل". (فقرة ثانية).
ثالثاً: ناهيك عن احكام خجولة او وجدانية في صياغتها (فقرة ثالثة).
 
فقرة اولى : الصياغة بمخالفة موجب عدم التناقض:
      جاء في حكم محكمة التمييز المدنية رقم 38 تاريخ 20 ايار 1957 وبحيثية كافية " ان التفسير الخاطئ الذي يفتح طريق التمييز امام المتداعين هو تفسير القانون اللبناني دون القوانين الاجنبية. فما يمنعه القانون الوطني هو مخالفة الاحكام القانونية الوطنية، اما القوانين الاجنبية فان تفسيرها يعود الى تقدير محاكم الاساس". الا ان المحكمة عادت بعد ذلك وحاولت اعطاء تبرير لموقفها، مستندة في ذلك، ليس الى نص قانوني، وانما الى الاجتهاد الفرنسي " وحيث ان المحاكم الافرنسية قد سارت على هذا الاجتهاد اعتباراً من بدء الجيل الحاضر فقد ورد في احكام عديدة ان الخطأ في تفسير القوانين الاجنبية لا يفتح باب النقض".
       ان اللجوء الى الاجتهاد، والاجنبي منه، هو امر مستغرب في احكام المحكمة العليا الوطنية. فاحكام هذه المحكمة هي التي تكون الاجتهاد. واذا كان من تبرير للموقف التمييزي فهو من خلال النص القانوني او المبادئ القانونية العامة او العرف او الانصاف عند عدم وجود مثل ذلك النص. أما ان يتوجه حكم المحكمة العليا باحكام المحاكم الاخرى او الفقه كما توسلت الى ذلك المحكمة في القضية المعروضة ففي ذلك خروج على المنهجية والاسلوب الذي يقتضي ان تكون عليه احكام المحكمة العليا.
           بل ابعد من ذلك، فان المحكمة العليا بعد ان قررت كمنطلق عدم خضوع القرار القاضي بتفسير القانون الاجنبي لمراقبة هذه المحكمة -  فالطعن يكون لخطأ في تطبيق او تفسير القانون الوطني، حسب موقف هذه المحكمة المستمر دون الخطأ في تطبيق وفي تفسير القانون الاجنبي- عادت نفس المحكمة ومارست رقابتها على هذا التفسير استناداً الى فرضية قانونية هي انه "وعلى فرض ان مخالفة القانون الاجنبي هي سبب من اسباب نقض الحكم تحت اعتبار انه عندما يدعو القانون الوطني الى تطبيق احكام هذا القانون في المادة عينها بالتخصيص وبالتالي تصبح مخالفة القانون الاجنبي كأنها مخالفة للقانون الوطني فانه في هذه القضية يجب معرفة ما اذا كان هناك نص في القانون المدني اليوناني يمنع عند اجراء عقد الزواج وضع بند يسمح فيه عند تحقق بعض الحالات والشروط اعادة الدوطة الى الزوجة اثناء قيام الزوجية".
"وحيث اننا تفحصنا النسخة غير الرسمية المبرزة في هذه الدعوى عن ترجمة القانون اليوناني الى الافرنسية وعلى الاخص النص المتعلق بموضوع الدوطة، فبمعزل عن ان الترجمة الافرنسية للقانون المذكور هي غير صحيحة لغوياً ويعتورها الابهام في كثير من نصوصها لم نجد هنك ما يحول دون انعقاد الزواج او قبل انعقاده بان يضع المرشحان للزواج عقداً يحددان فيه بملء حريتهما النظام المالي الذي يتفقان ان يطبقاه كما يتضح ذلك من مراجعة المادة 1402 من القانون المدني اليوناني..."[12].
       وفي نفس سياق هذا الحكم ، لجأت المحكمة العليا في حكم احدث الى الاستزادة في التفسير –مع ان المطلوب هو الاختصار والايجاز- مع ما ينتج عن هذه الاستفاضة من انعكاسات على مدى تمتع الحكم التمييزي بالنسبة لهذه الاستفاضة عندما لا تكون ضرورية بقوة القضية المحكمة. فالغرفة الاولى لدى المحكمة بعد ان قررت بوضوح "ان السبب المبني على مخالفة المادة 1040 موجبات وعقود ومبدأ الوجاهية انما يستند الى جملة ظروف واقعية تتعلق بمقدار تركة الوالد وعلم المميزتين بهذا المقدار او عدم علمهما، بحيث يستلزم ذلك نقاشاً وتحقيقاً جديداً امام محكمة التمييز والاعتراف بوضع واقعي وقانوني مختلف عن الوضع الذي اقرته محكمة الاستئناف ، وبالتالي فهو خليط من الواقع والقانون فلا يسمع امام محكمة التمييز..." عادت نفس المحكمة، وكما في الحكم السابق وتطرقت للاساس، وهو ان يكون التمييز، افتراضاً، مسموعاً شكلاً. فبعد ان كانت، قد قررت بانه ليس كذلك، ما كان يقتضي رده لهذا السبب دون التعرض بعد ذلك لبقية الاسباب، فناقضت المحكمة نفسها في هذه الصياغة (الرد والقبول في آن) . فالتمييز اما يقبل شكلاً فتتعرض المحكمة بعد ذلك  وجوباً للاسباب التمييزية المثارة، واما لا يكون مقبولاً شكلاً فيرد التمييز لهذا السبب دون اي اسباب اخرى. جاء في حكمها "وحتى لو فرض وكان مسموعاً فيبقى ان القرار المطعون فيه قد اثبت ان عقد 3 تشرين اول 1973 المذكور قد نفذ واخذت المستأنفتين حقهما بدلالة بنده الثالث.
        ولكن قد اثبت ايضاً، انه من الرجوع الى اتفاقية 3 تشرين اول 1973 ، يتضح ان الاتفاقية جرت بين المتداعين، وبموجبها اسقطت كل حق تدعيانه في تركة الوالد وتعترفان بصحة العقود الصادرة عن والدهما قبل وفاته لمصلحة شقيقهما، مصرحتين انهما اطلعتا عليها بكاملها وتوافقا بالنتيجة على وضع حد للدعوى المذكورة بصورة نهائية كما توافقا على الرجوع عن كامل ادعاءاتهما ومطاليبهما فيها..."[13] وهو ما قد يبدو متعارضاً مع موقف المحكمة في مكان آخر عندما قررت ان وظيفة المحاكم هي اصلاً ليس ابداء رأي على سبيل الجدل الفقهي، او على سبيل الاستفاضة في البحث والاستطراد[14]. فكيف اذا كانت هذه المحكمة هي نفسها محكمة القانون؟.
       وفي مكان آخر ، وفي مسألة مدى حق القضاء بتخفيض اجر الوكيل، عادت المحكمة وبحثت في مسألة تخفيض اجر المميز ومدى توافر شروطه بعد ان كانت في حيثية سابقة في الحكم، بان طالب التخفيض ليس من الوكلاء الذين تبحث بشأنهم هذه المسألة. فهذا الاجتهاد لا يسري على العامل والمستخدم، والمميز هو من هذه الفئة، فلا يحق للمحاكم ان تخفض الاجر. جاء في الحكم"وبما ان مبدأ تخفيض اتعاب الوكيل الذي اخذ به الاجتهاد لا يسري على العامل والمستخدم فلا يحق للمحاكم تخفيض الاجر او البدل المتفق عليه بين السيد او المولى وبين مستخدمه او عامله (انظر الاجتهاد في الحق المدني جزء 2 رقم 1428 جوسران).
"وبما انه لو فرض ان المميز كان وكيلاً بالمعنى القانوني فان اذا كان الاجتهاد خلافاً لرأي العلماء قد اجاز تخفيض بدل الاتعاب المتفق عليه الا انه اذا حصل الاتفاق على البدل بعد ان انجز الوكيل مهمته ونفذها فان الموكل الذي حدد بدل هذه الاتعاب الناجزة بملء اختياره ورضاه ومع علمه التام بما قام به الوكيل فانه لا يسوغ له في هذه الحالة الادعاء بتخفيض البدل."[15] .الاحكام التمييزية الجزائية هي ايضاً لم تخل من هذا العيب. ففي حكم صادر عن الغرفة الرابعة لدى المحكمة رقم 60 تاريخ 7/4/1970 [16]، اعتبرت "بما انه يتبين من مراجعة القرار فيه ان المحكمة اوردت بان طالب ملف الدعوى الجارية امامها... وبما انه على فرض وجود مثل هذه الوثيقة، فلا شيء يدل على انها ضمت لهذه الدعوى وانها وضعت قيد المناقشة، فتضحى المعرفة بوجودها، والبحث فيما تضمنته اثناء النظر بهذه الدعوى بمثابة معلومات شخصية استندت اليها المحكمة ، وتكون ارتكبت خطأ جوهرياً في الاصول يعرض حكمها للابطال".
وفي حكم آخر، ولكن هذه المرة صادر عن محاكم الاساس، من ذلك حكم الغرفة الرابعة لدى محكمة استئناف بيروت المدنية رقم 879 تاريخ 22/6/2015، مجدلاني/سنو[17]. وحكم الغرفة الاولى من المحكمة رقم 222 تاريخ 20/2/1071[18]، بنك الاتحاد الوطني/الجمعية التعاونية للنفط بدمشق.
      في الحكم الاول، قضت المحكمة باعلان مسؤولية المهندس هـ.س. عن الغاء اتفاقية التمويل مع آل ع. لحقوقهم الناتجة عن اتفاقية التمويل، لم يتبين ان هؤلاء ارتكبوا خطأ او فعلاً حال دون تمكين المهندس س. من انفاذ موجباته تجاههم،
       وحيث لم يتبين من جهة اخرى ان المهندس س. اعترض على الافعال التي ينسبها لآل م.وش. كما لم يتبين انه انذر هؤلاء او طالبهم بتنفيذ بنود العقد قبل نشوء النزاع القضائي مع آل ع.
وحيث انه على فرض ان الاعمال المنسوبة لآل م. وش. حالت بالفعل دون تمكين المهندس س. من انجاز اتفاقية المقاولة وحالت بالتالي دون تمكينه من ايفاء آل ع. حقوقهم الناتجة عن اتفاقية التمويل، فان عدم مبادرة المهندس س. الى انذار معاقديه في اتفاقية المقاولة لحثهم على التقيد بتنفيذ بنود العقد، بغية تمكينه من انفاذ ما يتعلق به من موجبات تجاه آل ع. يدل على عدم قيامه بالجهد اللازم لتنفيذ موجباته العقدية وفقاً لقواعد حسن النية والانصاف والعرف المنصوص عنها في المادة 221 م.ع.
وحيث وفي ضوء مخالفة المهندس س. لموجب تنفيذ موجباته العقدية تجاه آل ع. يقتضي تحميله مسؤولية الغاء العقد الجاري مع هذين الاخيرين ورد اقواله المخالفة".
     وفي الحكم الثاني، قضت المحكمة "وحيث ان الجهة المستأنفة تطلب رد الدعوى لعلة سبق الادعاء وحجتها ان المستأنف عليها اقدمت على مداعاة تفليسة توريساني وشركاه امام محاكم ميلانو مطالبة اياها بالغرامات التي نصت عليها المادة الخامسة من عقد التوريد الاصلي والتي تشمل الكفالة موضوع الدعوى الحاضرة قسماً منها بحال توجبها وثبوتها وذلك قبل التقدم بالدعوى الحاضرة.
"وحيث انه لا محل للدفع لسبق الادعاء اذا كانت احدى الدعويين عالقة امام محكمة وطنية والاخرى عالقة امام محكمة اجنبية.
وحيث لو افترض وكان الدفع بسبق الادعاء جائزاً في مثل هذه الحال فيبقى ان الدفع بسبق الادعاء يستلزم توافر شروط منها وحدة الاطراف ووحدة الموضوع.
"وحيث ان الدعوى المقامة من المستأنف عليها على تفليسة توريساني وشركاه امام محكمة ميلانو ترمي الى اثبات دين المستأنف عليها في التفليسة في حين الدعوى الحالية ترمي الى مطالبة المستأنف بنك الاتحاد الوطني بقيمة الكفالة بالاستناد الى عقد الكفالة المتضامنة الذي انشأ المستأنف بصفة كفيلاً متضامناً وبين المستأنف عليها علاقة شخصية ومستقلة تخول المستأنف عليها الدائنة حق ملاحقة المستأنف الكفيل مباشرة اذا لم يقم المدين المكفول بالوفاء.
"وحيث ان الموضوع في الدعويين هو بالتالي مختلف.
"وحيث ان المستأنف بنك الاتحاد الوطني ليس فريقاً في الدعوى المقامة امام محكمة ميلانو وبالتالي فشرط وحدة الاطراف غير متوفر.
"وحيث ان شروط الدفع بسبق الادعاء تكون غير متوافرة بين الدعويين.
"وحيث يقتضي بالتالي رد الدفع بسبق الادعاء".[19].
 
فقرة ثانية: الصياغة بمخالفة قاعدة الاختصار والوضوح:
      وفي هذا الاطار حدث ولا حرج، فالاحكام التي تسهب في التعليل دون سبب لا تعد ولا تحصى، وتحت حجج مختلفة- وكلها تحت عنوان الاستفاضة- وهو ما سنعرض له فيما سيلي:
أ‌-       على سبيل الاستفاضة في البحث.
ب‌-  على سبيل الجدل.
ج- على سبيل الاستطراد.
د- على سبيل الاحتياط.
هـ- وهنالك احكام صيغت باسلوب وجداني ابعد ما يكون عن الصياغة القضائية.
      انها عناوين اذا دلت على شيء فانها تدل على اضافات غير مطلوبة ولا مستحبة في حكم قضائي يفترض ان يقول ما يجده من حق في القضية دون زيادة او نقصان . وهذه الصياغة ان كانت شائعة لدى محاكم الاساس كونها المحكمة العادية والشاملة فلا يخرج عن اختصاصها الا ما كان متروكاً بنص خاص الى محكمة اخرى وهو ما يؤكد شمولية هذه المحكمة (المادة 87 أ.م.م.). كما انها محكمة الواقع، دورها ان تفصل في النزاع وفق القواعد القانونية التي تطبق عليه (المادة 369 أ.م.م.)  وعليها ان تعطي الوصف القانوني الصحيح للوقائع والاعمال المتنازع فيها دون التقيد بالوصف المعطى لها من الخصوم. كل ذلك شرط الالتزام بالوقائع الواردة في المحاكمة ولو لم يتذرع بها الخصوم خصيصاً لاسناد طلباتهم او مدافعاتهم. فالوقائع هي للخصوم في الدعوى. واذا كانت المادة 537 أ.م.م. قد اوجبت على هذه المحاكم ان تضمن احكامها بيانات الزامية، تحت طائلة البطلان فهي ان يتضمن الحكم  خلاصة ما قدمه الخصوم من طلبات واسباب لها ومن اسباب دفاع ودفوع، وان يتضمن ايضاً حلاً لجميع المسائل المطروحة من الخصوم وان يبين الاسباب الملائمة لذلك، وكل ذلك تحت طائلة البطلان.
       فتعليل الحكم او بنيان اسبابه هو امر جوهري ويهدف الى تحقيق غرضين: عدالة فضلى ورقابة فعالة من قبل المحاكم العليا[20]. والامر الجوهري ايضاً انه ليس من صياغة مفروضة قانوناً للاحكام وانما ان تلتزم المحاكم بالبيانات المنصوص عنها في المادة 537 أ.م.م. بل ان عدم الالتزام بالبعض منها لا يؤدي الى البطلان. من هنا تختلف الصياغة بين محكمة واخرى، وحتى على مستوى المحاكم العليا في عملية التباري على ابراز كل محكمة "لعضلاتها" وثقافتها القانونية ما يرضي طموحاتها ويسهم في اقناع المتقاضين بان الحكم الذي صدر، قد تناول القضية من مختلف جوانبها، فلا ترد او تقبل بحيثية او حيثيات مقتضبة. وهو ما يعبر عن ثقافة اجتماعية من ان الاختصار لا يفي بالغرض المذكور اعلاه، وفي ان كل اضافة ، ولو كانت غير ضرورية هي التي تحقق ذلك الغرض. فالمحكمة بتوسعها في التعليل تهدف الى توجيه رسالة الى المراجع القضائية والعلمية والمتقاضين ووكلاؤهم المحامين بانها من المحاكم التي تمحص اوراق الدعوى وتقرأ النص وترجع الى المراجع البحثية والقضائية. فهي ان وجدت ان الدعوى مردودة في الشكل فهي ايضاً مردودة في الاساس. وهذا ما كان دافعاً الى الفرضيات والافتراضات في الصياغة كما سبق ان بينا. والسبب الافتراضي الذي تعتبر فيه المحكمة، الواقعة التي لا تقوم الا على اساس افتراض منها انها واقعة اكيدة في حين انها ليست كذلك في واقع الملف . والسبب الافتراضي، كالسبب غير التأكيدي هو عيب من عيوب الصياغة للاحكام، ويعتبر سبباً لبطلان الحكم اذا كانت المحكمة قد اعتمدته لذاته كاساس لبناء حكمها ومنطوقه[21] . من هنا كان هذا الاسهاب ايضاً بالشرح والتعليل.
أ‌-       العيب في الصياغة باسلوب الاستفاضة في البحث:
   
        هذا التوجه يبرز في احكام عديدة وعلى مختلف درجات المحاكم. فالغرفة الابتدائية الثانية في بيروت مثلاً في حكمها تاريخ 27/3/2014 في قضية Daneil Weihrouch /Mary Grace Donato بعد ان قضت باختصاصها للنظر في دعوى طلاق بين زوجين اجنبين والزواج ابرم في دبي لدى الكنيسة الكاثوليكية هناك، وذلك سنداً الى ما يأتي:"انه من الثابت بالعودة الى اوراق الدعوى الراهنة ان المدعي تقدم بالدعوى الراهنة امام هذه المحكمة مع علمه ويقينه بانه والمدعى عليها سيغادران لبنان بغضون شهر او شهرين، مما يفيد عن ارادته الصريحة باخضاع النزاع الراهن الى المحاكم اللبنانية ، في حين ان المدعى عليها لم تدل بعدم اختصاص هذه المحكمة الدولي للبت بالدعوى الراهنة مما يفيد تنازلها عن الدفع الناجم عن الاختصاص الدولي لهذه المحكمة، اي ان الفريقين اتفقا ضمنياً على ايلاء المحكمة الراهنة اختصاص البت بالدعوى الراهنة، اقله على الصعيد الدولي ذلك مع الاشارة الى ان قواعد الاختصاص الدولي لهذه الجهة هي نسبية غير الزامية (المادة 80 أ.م.م.) فيمكن بالتالي الاتفاق على مخالفتها والتنازل عن الادلاء بها، كما لا يعود للمحكمة اثارتها عفواً بمعنى اذا حصل هذا الاتفاق على مخالفتها والتنازل عن الادلاء بها بانه يلزم الخصوم والمحكمة على حد سواء. وحيث بناء على ما تقدم ، وفي ضوء عدم دفع المدعي عليها بعدم اختصاص هذه المحكمة الدولي لم يعد من الجائز للمدعي الذي تقدم بهذه الدعوى مع علمه بالسبب الذي كان من الممكن ان يبني عليه عدم اختصاص هذه المحكمة الدولي، طلب رد دعواه لهذا السبب ، ولا سيما بعد صدور احكام عن هذه المحكمة لم يعتبرها لمصلحته بدليل استئنافه لها".
ورغم وضوح النتيجة التي توصلت اليها المحكمة باعلان اختصاصها للاسباب التي بينتها وبانه "لم يعد من الجائز" بنظرها ان يطلب رد الدعوى لهذا السبب عادت المحكمة وقضت "بانه تقتضي الاشارة، وفيما لو اردنا الاستفاضة في البحث، في اختصاص هذه المحكمة الدولي ان موضوع الدعوى الاصلية الراهنة يتمحور حول اعلان طلاق الفريقين والبت بحضانة ولديهما القاصرين... وحيث انه من الثابت ان الولدين القاصرين المطلوب البت بحضانتهما كانا بتاريخ تقديم الدعوى الراهنة يقيمان مع والديهما في بيروت، فتكون هذه المحكمة مختصة للبت بالدعوى الراهنة". فالمحكمة بعد ان اعلنت اختصاصها الدولي للنظر في الدعوى استناداً الى نسبية هذا النوع من الاختصاص والاتفاق والتنازل عن الادلاء بعدم الاختصاص، عادت الى الاستفاضة في البحث وتكريس نفس النتيجة على اساس قانوني آخر وفي ذلك لزوم ما لا يلزم.
       ايضاً، حكم محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان الغرفة الثالثة رقم 13 تاريخ 29/1/2008[22] الذي قضى بانه" من الواضح في القضية الراهنة ان الموصي اختار القانون الفرنسي بدليل انه نظم الوصية في فرنسا وفقاً للشكل المنصوص عليه في القانون الفرنسي، وانه يقتضي ترجيح صحة الوصية من حيث الشكل اذا كانت صحيحة وفقاً لاحدى الجنسيات التي يحملها الموصي... فيكون تطبيق القانون الفرنسي الذي يؤدي الى احترام ارادة الموصي وحقه بالخيار وترجيح صحة الوصية هو الذي يفرض الحل المنطقي والعادل..." ومع هذه النتيجة التي توصلت اليها المحكمة بتطبيق القانون الفرنسي لاعلانه صحة الوصية كونه احدى الجنسيات التي يحملها الموصي، ووضوحها، عادت المحكمة واستفاضت في البحث وباعلان نفس النتيجة ولكن على اساس قانون آخر،  وهو قاعدة الشكل في القانون الدولي الخاص، واعلان صحة العمل عندما ينظم وفقاً لقانون مكان ابرامه." فعلى سبيل الاستفاضة في البحث فان القانون الفرنسي هو القانون الواجب تطبيقه على شكل الوصية المنظمة في فرنسا وفقاً لقاعدة المكان يسود العمل القانوني Locus régit actum وقد سار الاجتهاد على اعمال هذه القاعدة ولو تطلب ذلك تفسيراً لنص القانون الوطني...".
       محكمة التمييز، رغم كونها محكمة استثنائية ينحصر دورها  بما حددته لها المادة 708 أ.م.م. التي نصت على اسباب حصرية تعتبر المدخل لفرض رقابتها على الاحكام القطعية الصادرة عن محاكم الاستئناف في القضايا المدنية والتجارية، والتي يقتضي ان تصاغ قراراتها بحيثيات قاطعة ومحددة لجأت الى هذا الاسلوب. فبنظرها "ان ما يخاصم في المرحلة التمييزية هو الحكم الاستئنافي وليس القرار التحكيمي فيرد ما اثير غير ذلك. وفي كل حال، في حال ان المقصود هو الحكم الاستئنافي فان محكمة الاستئناف اذ هي اعتبرت ان دولية التحكيم تستدعي بصورة حصرية تعريفاً اقتصادياً كلياً وتكييف العلاقة  بوصفها وطنية ام دولية... فمحله سبب العلاقة وارتباطها بصورة مجردة بمعاملة دولية حتى ولو كان العقد الاصلي وطنياً من حيث اطرافه ومكان انعقاده... فلا تكون محكمة الاستئناف قد خالفت العقد ووصفته بما لها من حق سيادي وبينت كل اسس دولية التحكيم طالما يتناول خدمات بين شركات بحرينية ولبنانية، ما يجعل من هذا الشق من السبب الاول والمتعلق بعدم دولية التحكيم مردوداً استفاضة"[23] .
 
ب‌-   العيب في الصياغة بأسلوب الجدل:
       كما في الحالة السابقة ابتدعت المحاكم اللبنانية اسلوباً آخر يعبر ايضاً عن تلك النزعة بالتوسع والاستفاضة غير الصحية في الصياغة. والملفت ان الهيئة العامة لمحكمة التمييز قد سلكت في احد احكامها هذا الاسلوب. ففي حكم مبدئي لها رقم 40/2013 اساس 85/2011 تاريخ 23/12/2013 – دايفيد فرانسوا زوين/الدولة - مسؤوليتها عن اعمال القضاة العدليين- افترضت المحكمة جدلاً صحة الوسيلة المعتمدة من احد الاطراف  في العلاقة على انها هي الوسيلة التي قصدها المشترع في قانون العقوبات في النص، وبحثت في مضمون هذه الوسيلة فلم تجد فيها ما يصح اعتبارها هي المقصودة بالنص، مع ان المطلوب هو الفصل في قبول هذه الوسيلة ابتداء ومن ثم البحث في مضمونها فتجاوزت الهيئة البحث في المبدأ وانتقلت الى البحث في المضمون تحت ستار هذه الفرضية الجدلية ليس الا. " فلو سلمنا جدلاً بان الرسالة الالكترونية تصلح كوسيلة انذار بالمعنى المقصود في المادة 671 من قانون العقوبات ( والانذار هو شرط من شروط اعمال تلك المادة) بيد انه يبقى انه ليس في مضمون الرسائل الالكترونية المتبادلة بين فريقي النزاع، والمنوه عنها آنفاً، ما يصح اعتباره انذاراً بالمعنى القانوني المشار اليه اعلاه، وبالتالي كافياً لتوافر العنصر المعنوي ولاكتمال عناصر المادة 671 عقوبات..." فمن حكم كان يفترض ان يكون مبدئياً يفصل في مسألة نزاعية هي في صحة اعتبار الرسالة الالكترونية انذاراً بالمعنى الذي قصدته المادة 671 من قانون العقوبات الى حكم، تجاوز ما هو مطلوب والانتقال للبحث في مضمون الرسائل الالكترونية المتبادلة بين فريقي النزاع في القضية فلم تجد فيها ما يتطلبه الانذار المقصود في المادة 671 عقوبات المذكورة من خصائص، وهي ان يحدد بدقة المبلغ او الشيء المثلي المسلم للمدعى عليه على سبيل الامانة ببيان كمية النقود الواجب ردها ونوعها او كمية وماهية المثليات الاخرى المسلمة الى المدعى عليه بموجب عقد من عقود الائتمان المحددة في المادة 671 عقوبات وهي الوكالة والمقاولة... فعوضاً عن الفصل في المبدأ، فصلت في عدم توافر شروط تطبيقه عند افتراض قبول هذا المبدأ على سبيل الجدل ليس الا.
 
ج- العيب في الصياغة باسلوب الاستطراد:
       درج المحامون في استحضاراتهم ولوائحهم الجوابية ان يسندوا مطالبهم الاصلية والاحتياطية الى اسباب وحجج قانونية اصلية والا حال عدم الاخذ بها الى اسباب وحجج قانونية استطرادية. وتلتزم المحكمة تضمين حكمها خلاصة ما قدمه الخصوم من طلبات واسباب لها ومن اسباب دفاع ودفوع وخلاصة ما استندوا اليه من ادلة وحجج قانونية واسباب الحكم وفقرته الحكمية ويجب ان يتضمن الحكم ايضاً تحت طائلة البطلان، حلاً لجميع المسائل المطروحة من الخصوم او يبين الملائمة لذلك (المادة 537 ف 9-10-12 أ.م.م.). والاسباب والحجج القانونية التي يلجأ اليها الخصوم هي أولاً اسباب وحجج اصلية، والا، عند عدم اقتناع المحكمة بها، يدلي الفرقاء على سبيل الاستطراد باسباب احياطية، كل ذلك هدفه اقناع المحكمة بصحة مطالبهم وبانها مؤسسة على اسباب قانونية، اصلية كانت او استطرادية. فالمحكمة ملزمة الاجابة على كل المسائل المطروحة بصورة اصلية، والا عند ردها، على المسائل المطروحة بصورة احتياطية.
      هذا الاسلوب الذي يعتمده المحامون تحقيقاً لمصالح من يمثلونه من الخصوم وعلى اساس اي وسيلة قانونية اساسية او استطرادية وهو حق من حقوقهم بالدفاع. اما ان تنتقل هذه الصياغة الى صياغة الاحكام القضائية فهو امر مستهجن. فدور القضاء هو الفصل في المنازعة ، فاما ان تقبل بمطالب المدعي استناداً الى ما يحكمها من قواعد قانونية (المادة 369 أ.م.م.) واما ان ترد هذه المطالب استناداً الى عدم وجود اساس قانوني تستند اليه .فاما ان تقبل الدعوى او ترد على الاسباب والحجج الاصلية فلا ضرورة بعد ذلك للبحث في اي اسباب اخرى والا كان ذلك نافلاً ومخالفاً مبدأ الاختصار، وقد يعقد مبدأ الوضوح والدقة. فالحق الذي يفصل القاضي في وجوده اما ان يكون مسنداً الى سبب قانوني، واما ان لا يكون، ولا حاجة بعد ذلك الى اي استطراد. فهو لا يبحث باي وسيلة او حجة للوصول الى حق متقاض معين، وانما الوصول الى الحق عند وجوده وبشكل موضوعي ومؤسس.
     ومن المستغرب ان نجد هذه الصياغة في احكام تمييزية قديمة وحديثة، فالغرفة المدنية الثالثة لدى المحكمة، في حكمها رقم 15ر تاريخ 16/2/1961 ،القضماني/هراوي، بعد ان اعتبرت ان العقد غير مبرم بين محام وموكل لكي تصح المطالبة بالنسبة القانونية الواردة بقانون المحاماة فيكون سبب العقد والنسبة الباهظة المتفق عليها هو سبب صحيح وليس فيه ما يخالف النظام العام ، وقد قام المميز عليه (الوكيل) بواجباته وفقاً للاتفاق كما تدل مستندات القضية، ما يفرض رد الادعاء المخالف لهذه الجهة. عادت نفس المحكمة وبحثت استطراداً في المسألة بصورة استطرادية في تخفيض اتعاب الوكيل. وقد جاء في الحكم :"سابعاً- مخالفة المادة 629 من قانون الموجبات والعقود بعدم جواز الاتفاق على نسبة مئوية من القضية .
      "بما ان هذا السبب مردود لان قانون تنظيم مهنة المحاماة قد خالف احكام هذه المادة واجاز للمحامي اخذ نسبة مئوية قدرها 20 % بالماية ولم يجعل الاتفاق باطلاً كما هو صريح المادة 51 منه والعقد ليس بين المحامي وموكله.
" ثامناً- واستطراداً ان بدل الاتعاب فيه استغلال غير مشروع وبهاظ يجب انزاله.
"بما ان الاتعاب يجب ان تكون متناسبة مع ما قام به الوكيل لتعادل الموجبات.
" وبما ان هذه المحكمة ترى ان النسبة المتفق عليها باهظة وفيها مغالاة في تحديد الاتعاب وهي ترى ان خمسين بالماية من المحكموم به كاف لتعويض المميز عليه (المستأنف عليه) عما قام به من دفع الرسوم  والمصاريف وبدل الاتعاب للمحامي ومتابعة القضية وما زاد لا سبب مشروع له وتأباه العدالة وفيه استغلال غير مشروع لذلك ترى تعديل الحكم المستأنف وانزال بدل الاتعاب الى 50 بالماية فقط ورد جميع الاسباب والدفوع الاخرى لانها لا تتلاءم مع اسباب هذا القرار وللاسباب البدائية".
      وفي حكم هو الاحدث حتى تاريخه رقم 47 تاريخ  10/2/2015، وبعد ان وجدت المحكمة انه يستخلص من اوراق الدعوى ان الاستدعاء التمييزي قد سجل بعد انصرام المهلة القانونية المنصوص عليها في المادة 316 من قانون اصول المحاكمات المدنية معطوفة على المادة 317 فقرة 2 منه ما يستتبع بالضرورة رد الاستدعاء شكلاً. غير ان المحكمة بحثت على سبيل الاستطراد في فقدان الاساس القانوني للحكم المطعون فيه لرد هذا السبب ايضاً، فتكون المحكمة قد ردت الاستدعاء التمييزي للسببين معاً: تقديمه خارج المهلة، وعدم انطباق ما ورد في الاستدعاء المشار اليه تحت عنوان فقدان الاساس القانوني على هذا العنوان. والسبب الاول هو ضروري وكاف بذاته لرد هذا الطعن. جاء في الحكم : "وبما انه يستخلص مما تقدم بيانه اعلاه، ان الاستدعاء قد سجل بعد انصرام المهلة القانونية المنصوص عنها في المادة 316 أ.م.م. معطوفة على المادة 317 فقرة (2) أ.م.ج. مما يستتبع رد الاستدعاء شكلاً؛
"وبما انه، وعلى سبيل الاستطراد في البحث، يتبين من الاستدعاء انه يعيب على الحكم المطعون فيه فقدانه الاساس القانوني، كونه اعتبر ان ما نسب الى المميز ضدهما عو عطف جرمي جاء في افادة المحكوم عليهما م.ج. و ح.م. وانتهت الى عدم تجريمهما ولكنه لم يطبق المنطق عينه على المحكوم عليهما غياباً لان ما نسب اليهم ورد على لسان المحكوم عليهما م.ج. و ح. م.  نفسيهما؛ وان العطف الجرمي يكون لنفس التبعة في حين ان المحكوم عليهما المذكورين لم ينسبا الى المميز ضدهما الاشتراك  في السرقات لنفي التبعة وانما اعترافا بمشاركة المميز ضدهما معهما في تلك الجرائم؛
"وبما انه لدى مراجعة الحكم المطلوب نقضه، يظهر انه خلص الى النتيجة المطعون فيها بعدما اعتبر ان التهم المنسوبة الى ح.ع.م.، والى م.ع.م. استندت الى افادة القاصر م.ن. الاولية، التي تراجع عنها لاحقاً... والى افادة المتهم ح.ع.م. الاولية بالنسبة م.م. دون ح.م. الذي نفى اشتراكه في السرقة، علماً بانه تراجع لاحقاً عن تلك الاقوال... وان م.ص. انكر امام المحكمة ما نسب اليه ... اما لجهة تجريم باقي المتهمين الفارين، فلقد استندت محكمة الجنايات الى افادات المتهمين م.ج. و م.ح. الاولية والابتدائية والى افادة م.ص. امام قاضي التحقيق والى القرينة المستمدة من تواري المتهمين عن وجه العدالة...
" وبما ان فقدان الاساس القانوني يتوافر عندما تكون الوقائع والادلة التي اعتمدها الحكم المطعون فيه ليس من شأنها تبرير الحل الذ ي خلص اليه هذا الحكم؛
"وبما انه من الراهن ان ما يعرضه الاستدعاء التمييزي تحت عنوان فقدان الاساس القانوني، لا ينطبق على هذا العنوان، وانما يندرج في الواقع ضمن سياق تقويم الوقائع والادلة، التي تعود الى سلطة محكمة الاساس الاستنسابية، والتي تخرج عن نطاق رقابة محكمة التمييز طالما لم يحصل تشويه لتلك الوقائع والادلة، الامر غير المثار  في الاستدعاء وغير الحاصل في هذه القضية، كون الحكم قد استند لتجريم المتهمين الفارين الى ادلة مختلفة غير افادتي المتهمين؛
"وبما انه في ضوء ما تقدم بيانه، يكون سبب التمييز المدلى به في غير محله الصحيح قانوناً ومستوجب الرد.".
 
د- العيب في الصياغة باسلوب الاحتياط:
      وهو ما نجده في احكام قضائية، تلجأ فيها المحكمة فيها الى اصدار حكم على سبيل الاحتياط وذلك قبل الفصل في المطالب الاساسية التي قد يؤدي فصلها الى عدم قبول الدعوى او ردها لاسباب قانونية مثارة في القضية.
      من ذلك الحكم الذي اصدرته الغرفة الابتدائية في جبل لبنان الناظرة في القضايا التجارية تاريخ 15/12/2015 والذي قضى مباشرة ، ودون اي تمهيد او تبرير بتعيين خبير على سبيل الاحتياط ، ما يطرح تساؤلات اساسية بالنسبة لاطراف العلاقة، اذ لم تصل الى حد التشكيك فيما اذا كانت المحكمة قد اتخذت في ذلك موقفاً مسبقاً في الموضوع، وبانها فصلت في المسائل القانونية المثارة وردت بالتالي كل مطلب مخالف، دون اي تبرير او تعليل ما يخالف الفقرة 12 من المادة 537 أ.م.م. والمدرجة ضمن البيانات الالزامية للحكم التي يتوقف على عدم الالتزام بها بطلان الحكم. فاذا كان التعليل خاطئ يشكل عيباً قانونياً في الحكم ، فكيف اذا لم يكن الحكم المتخذ معللاً او قد صيغ دون تعليل ما لا يتيح مراقبته من المحاكم المختصة؟
     ان السؤال الذي كان مطروحاً في معرض القضية المعروضة امام الغرفة الابتدائية في جبل لبنان هو التالي: هل ان المدعى عليه كان مكلفاً من المدعي بدفع اقساط العقار الذي اشتراه وتسجيله على اسمه، وهل ان هذه الدعوى لا تزال مقبولة لمرور الزمن على هذه المطالبة، اضافة الى اسباب اخرى مدلى بها يؤدي الفصل باي منها الى رد الدعوى. الا ان المحكمة، من الناحية القانونية قد تجاوزت مبدأ التعليل المذكور الزاماً في المادة 537 أ.م. وهو الزامي، كما تجاوزت على قواعد الصياغة، لجهة ان لا نكون امام حكم استباقي الذي اباحته المادة 9 أ.م.م. عندما تهدف المحكمة الى تثبيت حق انكر وجوده، او الاحتياط لدفع ضرر محدق او مستقبل او الاستيثاق من حق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه. والحال في القضية  ان الحق منازع فيه لاسباب جديدة وتثير نزاعاً في الاساس حول وجود الحق وقبول الدعوى، مما يجعل شروط مثل هذه الدعوى غير متوفرة وان صياغة الحكم على هذا الاساس فيه عيب في الصياغة وفي الاساس. جاء في الحكم:
"ان المحكمة،
وبعد الاطلاع،
تقرر على سبيل الاحتياط تعيين الخبير السيد أ.ح. وذلك للقيام بالمهمة التالية:
-         الاطلاع على الوحدة العقارية رقم... من البناء... في حال امكن ذلك والا الاطلاع على اي وحدة في العقار المذكور مشابه.
-         تخمين قيمة الوحدة وفقاً لوضعه والاسعار الرائجة في الاعوام..."
قد تفهم مسألة تعيين خبير لتحديد قيمة العقار بهدف تكليف المدعي دفع الرسم القانوني . ولكن ما لا يمكن تفهمه هو تكليف الخبير استباقاً لتحديد قيمة العقار في دعوى مسؤولية عن عدم تنفيذ تكليف مدلى بوجوده ، وقد انكر المدعى عليه اساساً مثل هذا التكليف وبمرور الزمن على المطالبة، وذلك قبل الفصل في هذه المسائل؟.
في مكان آخر، اصدرت الغرفة الابتدائية في بيروت الناظرة ايضاً في القضايا التجارية حكماً مماثلاً برقم 111 تاريخ 5/10/2016 فبعد ان عرضت المحكمة في صفحات مطولة من الحكم لوقائع الدعوى واجراءات المحاكمة حتى اختتامها، قضت، بعد ان كلفت الفرقاء بابراز مستندات استكمالاً للملف، بتعيين خبير على سبيل الاحتياط باجراء تحقيقات تتعلق باساس الدعوى . بينما المطروح في القضية وقبل تعيين اي خبير في الاساس الفصل بمسائل جوهرية منازع فيها في الشكل وفي الاساس، منها ما يتعلق بعدم صلاحية المحكمة، ومنها ما يتناول طبيعة العقد المبرم بين الفريقين، وعدم استحقاق اي تعويض للجهة المدعية. فالعقد موضوع الدعوى وفق الجهة المدعى عليها هو عقد تمثيل تجاري عادي يخضع للقواعد العامة ومن ضمنها جواز التحكيم في هذا العقد لعدم خضوعه لاحكام المرسوم الاشتراعي رقم 34/67. فقد جاء في المادة 14 منه فقرة 2 ان النزاع الذي قد ينشأ عنه يحل بواسطة التحكيم وفقاً لقواعد غرفة التجارة الدولية في باريس، وطالما ان العقد شريعة المتعاقدين، وعملاً باحكام المادة 785 أ.م.م. بشأن الاعتراف وتنفيذ احكام المحكمين الاجنبية والتي صادق عليها لبنان، يفرض رد الدعوى شكلاً لعدم صلاحية المحاكم اللبنانية للبت بالنزاع... كما ادلت المدعى عليها بعدم صفة المدعية بالمطالبة بالعطل والضرر لان العلاقة التعاقدية هي مع شركة اخرى تحمل نفس اسم الشركة المدعية، وان القانون الواجب التطبيق وفق المادة 4 من العقد الجديد تاريخ 20/4/2005 وقد انتهى العقد الاول في 31/12/2003 وليس القانون اللبناني.
     والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الحكم هو التالي: الا يتابع حكم المحكمة الابتدائية  بالسير باجراءات المحكمة بتعيين خبير فيها قبل الفصل في الاساس على انها تجاوزت مسألة الطرح بعد صلاحتها للنظر في الدعوى؟ فالصلاحية هي مسألة اولية يقتضي فصلها ابتداء وقبل اتخاذ اي اجراء آخر قد يتعلق بالاساس.
ان الاحكام القضائية المتخذة على سبيل الاحتياط يقتضي التحوط لها كونها تجمع هذين النوعين من العيوب، في القانون وفي الصياغة. فكما ترد الاسباب التمييزية شكلاً عندما يختلط فيها الواقع بالقانون. كذلك يقتضي بقبول الحكم ايضاً شكلاً واساساً عندما يمتزج فيه عيب الصياغة بعيب القانون.
 
هـ - العيوب في الصياغة بالاسلوب الوجداني:
     كثيراً ما تظهر صياغة الاحكام القضائية ضعفاً واضحاً في الاسلوب واللغة ما اضطر مجلس ادارة معهد الدروس القضائية ومنذ سنوات لادخال مادة اللغة العربية في مواد الدراسة في المعهد كمادة من مواد مباراة الدخول الى المعهد مع علامة لاغية.
     واذا كان هذا النمط من الكتابة هو خطأ شائع في صياغة الدراسات والمؤلفات والاحكام القضائية، ويعتبره البعض متسامح به. فما يهم في البحث القانوني والحكم القضائي ان يكون تقنياً ، تستعمل فيه اللغة والمصطلحات القانونية، وهو ما يكفي، الا ان هذا الخطأ الشائع لا يولد الحق، خاصة اذا كان الاسلوب هو لغة العاطفة تقرب الى الشعر والوجدانيات اكثر منها ان تكون لغة علمية ثابتة وقاطعة لا تردد فيها او حرج.
     من الفئة الاولى الحكم الصادر عن القاضي المنفرد المدني الناظر في قضايا الاحوال الشخصية في بيروت اساس 147/92 رقم 22/5/1992- جميل علي الصباح- وموضوعه تحويل الجنس من ذكر الى انثى وتصحيح قيود الاحوال الشخصية- وقد ردت فيه المحكمة الطلب بحيثية اساسية ضمنتها المحكمة مصطلحات تصلح في قصيدة او مقالة ادبية او في دراسة قانونية بصورة جوازية وتصرف تلطيفاً لقساوة البحث وجمود اللغة القانونية كما هو متعارف عليه. ولكن ان تستعمل في لغة الاحكام القضائية فهو امر غير مرغوب فيه. جاء في الحكم:
"... وبما ان الرد ايجاباً على هذا الطرح، ومجاراة من اقتنع بانتمائه الى جنس مغاير لجنسه الاصلي في ما طلبه وما ذهب اليه، يستتبعان حكماً تضمين السجلات قيوداً تخالف الواقع العضوي لصاحبها، ويؤديان بالتالي الى نتائج تناقض الكيان الاجتماعي والحالة القانونية مع ما قد يشكل ذلك من مساس بالنظام العام، فيصبح المستفيد من التعديل مغرداً في غير سربه ونغماً ناشزاً عن الدوزان".
     من الفئة الثانية الحكم الصادر عن محكمة التمييز اللبنانية الغرفة الثالثة الناظرة في قضايا المطبوعات تاريخ 4/9/2002- شركتي "مر تلفزيون" ش.م.ل. و"اذاعة جبل لبنان" ش.م.ل./الحق العام- وقد ردت فيه المحكمة الاستئناف من الشركتين المذكورتين ضد الحكم الاستئنافي الصادر عن محكمة استئناف بيروت الناظرة في قضايا المطبوعات والقاضي بحصر اقفال الشركتين بمدة زمنية محددة، شكلاً ، لتقديمه بعد فوات المهلة القانونية، ومع ذلك انهت المحكمة العليا حكمها بالتعبير عن تألمها لبقاء المحطتين مقفلتين وانها لم تفعل سوى تطبيق القانون، في محاولة لرفع المسؤولية عنها للابقاء على الاقفال، وانه لما يسر المحكمة ان ترى هاتان المحطتان قد عادتا لمزاولة العمل!!!
جاء في القرار:
"وحيث انه ترتيباً على كل ما تم بحثه وبيانه اعلاه يقتضي رد الاستئناف الراهن في الشكل لتقديمه بعد فوات المهلة القانونية كما سائر الاسباب الزائدة او المخالفة لعدم الجدوى.
"وحيث انه وفي المنتهى نشير الى تألمنا (اي المحكمة) لبقاء المحطة "أم.تي.?ي." والاذاعة مقفلتين، لكنه لا يمكن لهذه المحكمة، وهي محكمة قانون محض، الا تطبيق النص القانوني الواجب واعتماد القواعد والمبادئ العامة الراعية للتبليغ والمنسجمة مع وجدان وقناعة المحكمة، ويبقى من حق اصحاب الوسيلتين الاعلاميتين توسل اي حالة قانونية مناسبة لنيل مرادهم باعادتها الى مزاولة النشاط طبقاً للنصوص القانونية المرعية، وهذا ما يسرنا"!!!.
 
      اما بعد، وعود على بدء.
بينا سابقاً انه ليس من عمل بشري كامل. فدائماً هنالك ثغرات لها ما يبررها عندما لا تكون مقصودة وعفوية.
-         اول هذه المبررات هي ثقافة هذا المجتمع، فالتوسع والاطالة هما غاية بذاتها، فكلما زاد الشرح، وفق هذه الثقافة، كلما زادت اهمية العمل. وهذه النزعة نجدها في مختلف المجالات: العلمية والادبية والفنية، وقد انتقلت الى العمل القضائي، رغم ان العرف في صياغة الاحكام القضائية قد وضع نمطاً معيناً تصاغ على اساسه الاحكام القضائية، بدءاً بصدور الحكم مروراً باسماء الخصوم والوكلاء وحضورهم وغيابهم وخلاصة ما قدموه من طلبات واسباب دفاع ودفوع وخلاصة ما استندوا اليه من ادلة وحجج واسباب الحكم وفقرته الحكمية، وكل ذلك يعرض بحيثيات تفرض على واضع الحكم الالتزام بها عملياً فلا يخرج عن موضوع القضية والمسائل القانونية المثارة، والحل الذي اعطاه لتلك المسائل على اساس من الواقع والقانون دون ان يكون القاضي مضطراً للاطالة. فالحكم القضائي ليس بحثاً قانونياً او عرضاً للمواقف الفقهية والقضائية على اختلافها وانواعها من تلك المسائل، وانما هو فصل في نزاع والاجابة على المطالب وفق القواعد القانونية التي تنطبق عليه. واللجوء الى المواقف الفقهية والقضائية وان كان في الاساس هو مستهجن [24] في حكم قضائي ، الا انه اذا اعتمده ذلك الحكم خلافاً للمبدأ فيقتضي ان لا يكون الا بهدف توثيق الحكم وزيادة في قناعة القاضي وفي اقناع المتقاضين بان حكمه له اساس قانوني سليم ليس اكثر. فليس من نص يفرض على القاضي اعتماد الفقه والقضاء، واذا اعتمدهما، فيقتضي ان يكون ذلك بعد عرضه للنص القانوني او للمصادر الاحتياطية للقاعدة القانونية عند انتفائه، ولتأكيد الحل الذي كرسه في حكمه . فلا يعرضان لذاتهما وانما بغاية تحقيق ما تقدم خلافاً لما هو عليه الامر في البحث القانوني، الذي يفترض اسلوباً خاصاً لمعالجة الموضوع ، في العمق والمدى ووفق منهجية علمية محددة في وضع الابحاث القانونية، وهي غير المنهجية المعتمدة في الاحكام القضائية[25].  فلتحقيق البحث العلمي السليم على الباحث ان يلجأ وبالضرورة الى المراجع الفقهية والقضائية وفق اسس ومقومات البحث العلمي[26]. فاللغة والاسلوب هما مرآة الشعوب.
-         ثاني هذه المبررات هي نفسية القاضي ونفسية المتقاضين. فالقاضي يعتبر ان كل حكم قضائي يصدره هو محل لابراز ثقافته وشخصيته القانونية، وان دوره لا يكون وحسب في فصل النزاعات التي تعرض عليه، وانما اعطاء مساهمة في المسألة القانونية التي بت فيها وهذه من مقومات البحث القانوني، ان في المعالجة القانونية او في الواقع. ولعل في ذلك انعكاس للشخصية اللبنانية التي تعودت تاريخياً على التحدي والمجابهة بالبحث والدراسة للوصول الى كل ما هو جديد. والمتقاضين بدوره ايضاً لا يقتنعون بسهولة، ان ترد الدعوى شكلاً لتقديمها خارج المهلة او لان السبب القانوني المثار لا يعتبر سبباً مقبولاً شكلاً بقبول المراجعة فذلك لا يتطلب الافضلية في حيثيتين، وما يولد لدى المتقاضين شعوراً سلبياً وتشكيكاً في عدالة القاضي، فالدعوى اخذت منه وقتاً وجهداً ونفقات، فمن الظلم بنظره ان ترد شكلاً بحيثيتين وهو يعتبر وفق قناعته ان الحق هو له في الاساس، فيجد القاضي نفسه قد تطرق للاساس رغم ان المبدأ الذي وضعه بردها شكلاً اثباتاً  للمتقاضي عدم صحة الادعاء ان في الشكل او في الاساس، وعملياً للسببين معاً . فيكون الحكم قد جمع المتناقضين. فالحكم اما ان لا يكون مقبولاً في الشكل وينتهي النزاع في هذه المرحلة، واما ان يكون العكس، فيتابع الحكم البحث في الاساس.
       وما يقال في هذا الاطار هو نفسه في حالات العيوب الاخرى، فالقضية تفصل في الاساس، ولا حاجة بعد ذلك الى اي زيادة ، الا انه وبنتيجة تلك النزعة القضائية في التوسع، تتابع المحكمة في مرحلة لاحقة التحليل والبحث على سبيل الاستفاضة او الجدل او استطراداً او على سبيل الاحتياط، او تعبر عن تألمها للنتيجة التي توصلت اليها في المرحلة الاولى من الحكم[27]. "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"[28].
        ذلك يتطلب العمل على تغيير الثقافة الشائعة في المجتمع وهذه مسألة تطول ، ولكن على المستوى القريب القابل للتحقق هو العمل والتركيز على شكل الحكم القضائي وصياغته في مرحلة الاعداد للقضاء- وهذه مهمة اساسية لمعهد الدروس القضائية- فكما ان الدعوى قد ترَد في الشكل، فان الحكم القضائي يرد في علم القانون والاحكام القضائية ايضاً للعيوب  في الصياغة التي قد تصيبه دون سبب.


1 - راجع مثلاً: محمد سعيد عبد الرحمن، الحكم القضائي اركانه وقواعده، اصداره، دراسة تأصيلية تحليلية تطبيقية مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2011.
[2] - نقل هذا الحديث الشريف عن انس ابن مالك، صحيح الترمزي، 2499.
[3] - اشرف توفيق شمس الدين، اصول صياغة الاحكام (الجزء الاول) ، المجلة القضائية التي تصدر في سلطنة عمان، وزارة العدل، المحكمة العليا، المكتب الفني، 2010، ص69.
[4] - مصطفى احمد بلخيرية، رسالة القاضي، مؤسسات عبد الكريم بن عبدالله للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الثانية (دون تاريخ) ص 66، وفي الصلة بين ثقافة  القاضي وبين سلامة التفكير ودقة التعبير راجع، محمد فتحي نجيب، ثقافة القاضي شرط للصلاحية وليست ترفاً فكرياً، مجلة القضاة التي تصدر عن نادي القضاة في مصر، وهي مجلة فصلية، العددان 5و6 ايار (مايو)، حزيران (يونيو)، 1986، ص 85. ويجب على القاضي ان يلم بالعلوم المختلفة اللازمة لادائه عمله والتي تسهم في تكوينه الشخصي والمهني مثل: الطب الشرعي وعلم التاريخ والاجتماع، ومن ناحية اخرى فان الثقافة الاجتماعية للقاضي لها دور مهم في تكوين القاضي الشخصي، وبها سيكون مطلعاً اطلاعاً عميقاً على مشكلات مجتمعه، غير منعزل عنه، عاملاً باسرار المشاكل الاجتماعية واسبابها وكيفية معالجتها وطبائع الناس. في كل ذلك راجع اشرف شمس الدين، الدراسة المذكورة، ص 70، هامش (1)، وهذه المجلة نصف سنوية يصدرها نادي القضاة في جمهورية مصر العربية وتتضمن احدث الاحكام الصادرة من المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض بدوائرها المدنية والتجارية والاحوال الشخصية والجنائية وتتضمن العديد من الابحاث للقضاة وغيرهم من الباحثين.
[5] - مصطفى العوجي، القاعدة القانونية في القانون المدني، مؤسسة بحسون ، طبعة اولى، بيروت، 1992، ص 131.
[6] - اشرف شمس الدين، الدراسة المشار اليها، ص 88؛ وراجع رلاحقاً في خاتمة هذه الدراسة
[7]- V . Par ex. Cass. Civ. 1ier  21 nov. 1975.p. 549.note F. Steinment “Attendu que le cautionnemet emporte obligation de la caution mais nom dessaisissement immédial et définitif d’un élément partimonial, qu’il ne constitue donc pas un acte de disposition à titre gratuit tombant sous le coup de la prohibtion edictée par l’art. 1422 C. Civ. Que par ces motifs du pur droit… »
[8] - v. par ex. Cass. Civ. 1ier mars. 1975.Bull.civ. I. p. 84. n? 06 ; Cass. Comm.16 janv. 1973. Bull. Civ.IV. p. 22. N. 28.
 
[9] V. Tournerie. Le droit fran?ais de la grêve. 1927. P. 17 ; Dagot note in J.C.P. 1975. II. 18161; et sur la question. V. Jacques Ghestin. Gilles Goubeau avec concours de Muriel Fabre-Magnan. Traité dr droit civil. Introduction générale. L.G.D.J. Paris 1995. Delta Liban . 1916. n?523.
[10] - مثال على ذلك احكام 11 و 18 تشرين الاول 1988 منشورين في:
Revue critique de droit international privé 1989.p.368.                                                                                                            
وراجع ايضاً:
Cass. Civ. 19 mars1975. Bull.civ.I.N? 117. P. 99. Sur le troisième moyen.                                                                             
[11] - ان الاخطاء في القانون تسمى Errata ، مصدر هذه الاخطاء، Marty et Raynaud. TI. P.164. n?89. ؛ نقولا اسود، القانون المدني، المدخل  والاموال- على الآلة، بيروت 1985- 1986، ص 35 وما يليها.
- السؤال: هل يحق للقاضي ان يصحح الخطأ في القانون وان يبحث في وجوده ونتائج ذلك، ثم كيف : تلقائياً او بناء للطلب؟
من الناحية العملية: المسألة ليست مستحيلة، فالقاضي بما له من وسائل تحقق يستطيع الوقوف على النص القانوني الذي تمت المصادقة عليه بالنسخة الاصلية التي عرضت على المجلس التشريعي ، واما عن طريق اي وسيلة اخرى للوصول الى الحقيقة.
ولكن من الناحية القانونية: القاضي يلتزم النص كما نشر . يلتزم بمرسوم النشر، ولا يعود له كقاض بان يراقب حتى من الناحية الشكلية صحة ومشروعية ذلك المرسوم، وبالتالي فان النص ، حتى الذي وجدت فيه اخطاء نتيجة النشر، هو الذي يقتضي تطبيقه. ثم هنالك شبه استحالة في اجراء او ترك القضاء يفتش عن النص الحقيقي الذي يعتبره سليماً، وخاصة ان النص الاصلي لا ينشر . من هنا يمكننا ان نستنتج بانه لا يوجد قرارات قضائية اعتمدت تصحيح النصوص الا في الحالات التي يكون فيها الخطأ واضحاً يمكن تصحيحه من خلال النص الذي نشر نفسه ( مثال: قانون 16/82: الاصول الموجزة لازالة الشيوع في العقارات التي يتجاوز عدد المالكين فيها العشرة)
 
ولكن هل يحق للحكومة اجراء ذلك التصحيح: قد يكون ذلك جائزاً باصدار مرسوم ينشر القانون معدلاً. واما عن طريق العمل على اصدار قانون معدل من قبل البرلمان. الطريقة المعتدة هي  الاولى : ان تعمل الحكومة على اصدار مرسوم تصحيح يسمى Errata
La pratique gouvernementale utilise plutôt le procédé de l’ Errata  au journal officiel.                                                      
ولكن شرعية هذه الطريقة مناقش فيها
La  régularité de cette pratique a été à bon droit contestée.                                                                                                                    
والقضاء العدلي يعتبر ان التصحيح لا قيمة قانونية له الا اذا تناول اخطاء مادية erreure matérielle او واضحة  evidente  . ففي التصحيح خلق نص جديد باسلوب غير تشريعي: اي لم يصدر عن السلطة التي عليها سن القوانين، والاجتهاد الاداري موافق من حيث المبدأ:
V.Cass. Ch. 5 fev. 1947. J.C.P. 1947. II. 3478; D. 1947 p. 177 ; C.E. 9 mars. 1936. Rec.Lebon P. 299.                                                             
                                                                                                                    
[12] - تمييز مدني، رقم 2، رقم 38، تاريخ 20/5/1957، النشرة القضائية اللبنانية، 1957. ص 728.
[13] - تمييز مدني، غرفة اولى، رقم 46 اساس 28/94، تاريخ 20/10/1994، نينا كرم وغيتا كرم/جاد كرم.
[14] - تمييز مدني، غرفة اولى، رقم 25/95، تاريخ 25/2/1995 (غير منشور).
[15] - تمييز مدني، غرفة اولى، رقم 130 اساس 144، تاريخ 13/12/1954 ، النشرة القضائية اللبنانية ، 1955، ص 7 وما يليها.
[16] - مذكور في هانية محمد علي فقيه، مبدأ الاستقامة في الاثبات، اطروحة دكتوراه في الحقوق مقدمة الى المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية في 28/7/2015، ص 91-92. ومنشور في سمير عالية، موسوعة الاجتهادات لاحكام محكمة التمييز في عشرين عاماً منذ اعادة انشائها، طبعة اولى، 1990 ، ص 58 رقم 193.
[17] - غير منشور.
[18] العدل، 1971، ص 679 وما يليها.
[19] - استئناف بيروت المدنية، غرفة اولى، رقم 222 تاريخ 20/1/1971، مجلة العدل ، 1971، ص 679.
[20] - ادوار عيد، موسوعة اصول المحاكمات المدنية والاثبات والتنفيذ، الجزء الرابع، رقم 88.
[21] - عيد، المرجع المذكور، ص 339 وما يليها، رقم 97.
[22] - غير منشور.
[23] تمييز مدني ، غرفة خامسة، رقم 14 اساس 95/2010، تاريخ 25/1/2914، شركة الدانا لادارة السينما وتوزيع الافلام ضد ايطاليا فيلم و شركة امبير انترناشيونال ش.م.م.
[24] - راجع ما سبق في مقدمة هذه الدراسة.
[25] - في ذلك، عكاشة محمد عبد  العال وسامي بديع منصور، المنهجية القانونية ، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2008، ص 220 وما يليها.
[26] - المرجع السابق، ص 497 وما يليها .
[27] - راجع الاحكام المذكورة في الدراسة.
[28] - القرآن الكريم، سورة الرعد: 11.

إتصل بنا

هاتف: 01/492934

فاكس: 01/493145

البريد الالكتروني

cij@ul.edu.lb

حول الموقع

انشىء مركز الدراسات والأبحاث في المعلوماتية القانونية (المعروف بمركز المعلوماتية القانونية)، في العام 1986 كوحدة جامعية مستقلة. وذلك بالمرسوم رقم 3144 تاريخ 11/4/1986 المعدل بالمرسوم رقم 4166 تاريخ 16/9/1987. في العام 1993 تحول المركز إلى فرع من فروع كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية وذلك بموجب المرسوم رقم 4141 تاريخ 13/10/1993.